مقالات
Typography

لإعلام الإريتري بين سماجة مفهوم التعبئة وخطاب الكراهية . !!

 

نقلا عن موقع عدوليس

 جمال همــد

 

مع تقدم عمر النظام الفرد الديكتاتوري ، تزداد أعباء القوى المستنيرة في البحث عن حلول للمشكلات التي تخلفها سياساته الجائرة ، كما تزداد جملة المشكلات التي تعيق الشعب في إرساء نظام ديمقراطي تعقيدا، هذا بالعموم تتصدى لهذه المشكلات قوى الإستنارة التي تقدم نتاج بحوثها ودراساتها وإستنتاجاتها وتوصياتها للقوى السياسية والمدنية. هذه المشكلات التي بدأت تطفح على كل الساحات للأسف لا تلقي لها المعارضة الإريترية أو ما يُسمى بقوى التغيير بالاً، لا بالمتابعة للدراسة ووضع السياسات، وتقديم الحلول، ولا تعيرها حتى مجرد الإهتمام العام ، هذا إذا لم نقل ان بعضها يساهم بشكل غير مباشر في صناعتها.

وقد أثبتت السنوات القليلة الماضية ان الخطر الذي تمثله الأنظمة الديكتاتورية القابضة عظيم وواسع ولا يمكن تغييره بالتعديل والتبديل في ما يٌسمى بالبنية الفوقية للدولة وهذا ما ظهر جليا بعد ثورات الربيع العربي ، وبعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين في العراق وقبله بقليل نظام الطاغية محمد سياد بري في الصومال. المشكلات التي تراكمها الحالة الإريترية الآن ، ليست وليدة ممارسات النظام لوحده ، فهو قطعا يساهم بقدر كبير في صناعتها بشكل يومي و يمكن ان نقول على رأس كل ساعة ، دون ان نجانب الصواب ، كما تساهم المعارضة الإريترية والقوى التي تصطف للتغيير بقدر ما بتجذيرها وتعميقها ها ليس بذات المقاصد التي تتوافر عند النظام ، ولكن بممارسات غير محسوبة وبث أفكار وتصورات وتفسيرات خاطئة للوقائع اليومية والتاريخ ... الخ، لذا قطعت بصعوبة الحلول التي تواجه وستواجه قوى التنوير في المجتمع الإريتري


ليس للمقال سعة تناول كل المشكلات التي تكتنف سبيل الديمقراطية والتعددية السياسية والحكم الراشد في إريتريا هنا ولكن سأكتفي بتناول الصحافة والإعلام إحتفاءً باليوم العالمي لحرية الصحافة . العصبة الحاكمة في إريتريا، وككل الأنظمة الديكتاتورية تهاب الإعلام وتداول المعلومات بالرغم من كل المحاولات المكشوفة التي تسخر من الرأي الآخر والإعلام الحر، لذا فإنها وضعت خطط لإستمالة الصحافة العربية والقنوات الفضائية ، كما تلجأ من حين لآخر لمكاتب تجميل في الولايات المتحده وأوروبا لتحسين صورتها، ورغم ذلك لا زالت قوى التغيير بعيدة عن استخدام هذا السلاح الفعال ، كما ان البعض منها غير سعيد بتدفق وتبادل المعلومات تحت مبرر وحدة قوى المعارضة . شهدت إريتريا حقب من الحريات وقمعها في أكثر من عهد ، ففي العهدين الإستعماريين الإيطالي والبريطاني شهدت الصحافة الحرة والمستقلة إزدهاراً كبيراً في مساحة الحرية وعدد الصحف واللغات التي كانت تصدر بها وقد تصدرتها العربية بشكل لافت ، نقول إزدهار قياسا بمعايير تلك المرحلة ، تبع ذلك عهد الإحتلال الإثيوبي والذي تميز بالظلامية ، أما في عهد الثورة فكان إعلاما تعبويا خالصا تابعا للفصائل والتنظيمات التي سادت ومن بينها الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا التي وصلت للسلطة في البلاد منفردة. بعد سنوات قليلة من التحرير وبعد الإستفتاء وبدايات إستقرار الدولة نشأت عدد من الصحف المستقلة كلها ناطقة باللغة المحلية (التجرنية ) تزامن ذلك مع الإنقسام الكبير في الحزب الحاكم بين المنادين بالإصلاح والتعددية ، والجناح الذي يتزعمه اسياس افورقي الرافض لكل ذلك، الذي بإنتصاره وضع حدا لهذه البداية للصحافة المستقلة ، لكون تلك الصحافة إنحازت تماما لمطالب الإصلاح وأدى هذا لأن يدفع الصحفيون الثمن باهظا وهم الآن الضلع الثالث للمغيبين قسرا في إريتريا بجانب المعلمين في المعاهد الدينية والإصلاحيين . الثمن كان باهظا وكبيرا ، دفعه الرجال والنساء دفعة واحده .. ثم إلقاء القبض عليهم وتغييبهم عن العلن في أقبية وحاويات لا يعلم أماكنها إلا رب الكون .. دفعوا بعضهم للتشرد والبحث عن سبل للعيش بعيدا عن الصحافة والإعلام لتبتلعهم مدن المنافي والشتات. في الخارج بدأت أصوت إعلامية محترفة وغير محترفة ترفع صوتها بالمناداة بالحرية مع ظهور الشبكة العنكبوتية .


وكغيرهم من الشعوب استفاد الإريتريون من ذلك. بعد عقدين من الزمان هل استطعنا إعادة اكتشاف كعب أخيل التي تودي مع غيرها بزوال النظام ؟ المتتبع يمكن ان يلاحظ دون عناء ان أكثر من تيار يحاول الإبحار باتجاه محيطاته، دون ان تشكل هذه التيارات مدارس وفق مناهج محددة ، ذلك ان الوضع الإريتري دفع بعدد من المتطوعين للولوج لعالم الصحافة وليس عالم الكتابة بالطبع، لتتولد أشكال غرائبية من الإنتاج يصعب تصنيفها، كما تمت وتتم يوميا عمليات الإعتداء على مهنة الصحافة دون رادع. وقد ساد شكل من أشكال الكتابة الصحفية أتاحتها عوامل كثيرة لا سبيل لتفصيلها هنا ، ولتأتي ثالثة الأثافي الأكثر إيلاما وأعني وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت الأداة الفيصل في العملية الإعلامية وفي الأخير لأنها غير منضبطة ولا مضبوطة أصابت المهنة نفسها بالتشوش ، كما أصابت البعض بالتضليل . هذا الوضع الغير سوي أنتج ( كتابات وكتاب) يضعوت بعد اسمائهم ألقاب ( خبير .. كاتب وباحث .. مهتم بقضايا .. ) الخ، تميزت بفقر شديد في مدادها ، ولتغطية ذلك لجأوا للشتائم ومفردات الكراهية وتقسيم المجتمع .. الخ، وعبر هؤلاء استطاع بعض الناقمين بث رؤى وأفكار تحاول تفسير المشكلات والنكسات التي تصيب مسيرة شعبنا الإريتري، لتحقيق مكاسب سياسية بائسة ، دون ان ينتبهوا ان هذا الحرث ، حرث بور وسيكون أُكله بورا وحنظلا سيتجرعه الجميع. كما ان الربكة التي عاشتها الساحة الإعلامية عقب ازدياد القبضة الأمنية في الداخل وإغلاق الصحف المستقلة وتشديد التضييق على وسائل الإعلام الحكومية من جهة وازدياد انفتاح الأفق عالميا وظهور وسائل التواصل الإجتماعي وسهولة إنشاء المواقع والمدونات من جهة أخرى دفعت بعدد ممن لا يملكون حتى اسس عامة لمهنة الصحافة من الولوج لعالم الصحافة واستسهالها ليملأوا الأفق بالغث .. الضعيف .. وتمددوا في مساحات واسعة تحت عنوان (النضال ضد النظام) ونتيجة لكل ما ذكرت وأسباب أخرى نلاحظ غياب الخبر التماسك بكل أشكاله .. والتحليل الرصين .. والتحقيق .. والحوارات في عدد ليس بالقليل من المواقع الإريترية الناطقة بالعربية التي تحتل ( المقالات ) ضحلة المبنى والمعنى أجزاء واسعة فيها. الهدف من هذا العرض العام ليس الدخول في ساحة المعارك الذي لا أس لها ، وليس لتقديم حلول سحرية جاهزة بل بداية لمساهمة لحوار بناء بين الإعلاميين والصحفيين والكتاب الإريترين ، صونا لمهنتهم ولأنفسهم، وبعد ذلك تقديم العون المنوط بهم مع غيرهم من الشرائح في تنقية سوح المعارضة دون ان يتخلوا عن مهنتهم والأسس الأخلاقية التي تقوم عليها. وكذلك محاوله للبحث عن أسس لقيام نقابة أو إتحاد لأصحاب المهنة دون انتظار للساسة ، وما حدث في مؤتمر ( أواسا) لشريحة الكتاب والصحفيين في البال، لذا ليس سرا ان اقول انني سأخوض في المرحلة القادمة معركة الحوار بين أبناء المهنة لتأسيس كيان نقابي يمنع على أقل تقدير الكثير من التعديات ويصون الحياة الصحفية والإعلامية ويوقف عملية التغول السياسي . التحية للزملاء والزميلات المغيبين للذين يدفعون ثمن الجهر بأصواتهم من أجل الحرية والعدالة . التحية للزملاء الذين يكابدون من أجل حرية الصحافة والصحفيين في الخارج
التحية للكتاب الإريترين جميعا.